بقلم حسن النجار : إدارة غزة بين الرؤية الامريكية والصدام
المفكر السياسي حسن النجار المتخصص في الشؤون السياسية الدولية وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية
الوطن اليوم الاخبارية – 20 يناير 2026
شؤون سياسية – بقلم حسن النجار
إعلان تشكيل «اللجنة التنفيذية لإدارة غزة» ومجلس السلام الدولي عكس محاولة أمريكية واضحة للانتقال من منطق وقف إطلاق النار إلى منطق إدارة ما بعد الحرب، ومن الإغاثة المؤقتة إلى إعادة البناء المستدام. غير أن هذا التحول، رغم طابعه البراغماتي، جاء محمّلًا بتناقضات سياسية عميقة سرعان ما ظهرت إلى السطح.
الرد الإسرائيلي السريع، ونفي أي تنسيق مسبق مع تل أبيب، لم يكن مجرد تحفظ إجرائي، بل رسالة سياسية مباشرة برفض المسار الأمريكي المقترح. هذه المواجهة العلنية تمثل أول اختبار حقيقي للعلاقة بين ترامب ونتنياهو منذ عودة الأول إلى مركز القرار، وتكشف عن فجوة متزايدة في الرؤى حول مستقبل غزة.
التحفظ الإسرائيلي يرتبط بجوهر المبادرة لا بتفاصيلها. فإسرائيل، وخصوصًا تيار اليمين الحاكم، لا تبدي استعدادًا لقبول أي صيغة إدارة مدنية أو دولية لغزة خارج السيطرة المباشرة، وترى في ذلك تهديدًا لمعادلات الردع والأمن، بل ولأهداف أعمق تتعلق بإبقاء القطاع في حالة هشاشة دائمة.
وتزداد هذه الحساسية مع إدخال تركيا وقطر ضمن تركيبة المجلس، وهما فاعلان تنظر إليهما المؤسسة الأمنية الإسرائيلية باعتبارهما أصحاب نفوذ سياسي غير مرغوب فيه داخل ملف غزة. لذلك بدا لافتًا تقاطع مواقف نتنياهو مع بن غفير وسموتريتش وبينيت، رغم خلافاتهم الداخلية، عند رفض أي إدارة بديلة مستقلة.
في المقابل، تعكس الرؤية الأمريكية، المدفوعة ببراجماتية ترامب، توجهاً عمليًا لإدارة ما بعد النزاع، يقوم على تقليل احتمالات الانفجار عبر إعادة الإعمار، وتحفيز الاقتصاد، وربط الاستقرار بالأموال والبنية التحتية، دون الانخراط في احتلال مباشر أو مسارات سياسية معقدة.
تركيبة مجلس السلام الدولي، بما تضمّه من شخصيات سياسية واقتصادية واستثمارية، تشير بوضوح إلى انتقال التفكير من «حل النزاع» إلى «إدارة النزاع»، حيث يصبح التمويل والتنمية أدوات ضبط سياسي، لا مجرد مخرجات لاحقة للتسوية.
أما «المجلس التنفيذي لغزة»، فيمثل الذراع الميدانية لهذا التصور، جامعًا بين الأمن والوساطة والعمل الإنساني والتمويل. غير أن نجاح هذه الصيغة يظل مشروطًا بغياب عامل حاسم حتى الآن: القبول الإسرائيلي، ووضوح الصلاحيات الفعلية على الأرض، وتجنب تضارب الأدوار بين الأطراف المشاركة.
ويبقى الاتحاد الأوروبي في موقع الحضور المحدود، ممولًا أكثر منه فاعلًا سياسيًا، وهو ما يعكس مأزقًا أوسع لدوره في معادلات الشرق الأوسط المتغيرة.
في المحصلة، نحن أمام مبادرة تحمل ملامح مسار جديد، لكنها تقف على حافة الصدام، بين رؤية أمريكية لإدارة الأزمة، وإرادة إسرائيلية لإبقائها مفتوحة. وبين هذا وذاك، يظل مستقبل غزة معلقًا بين فرصة قابلة للبناء، وأزمة قابلة لإعادة الإنتاج.
حفظ الله مصر حفظ الله الوطن حفظ الله الجيش ورحم الله شهدائنا الابرار ؟







